منتدى إقرأ الثقافي
المواد المنشورة هنا لا تعبر بالضرورة عن رأي القائمين عليها
غايتنا رضى الله سبحانه, و هدفنا تثقيف الأمة الإسلامية بكل العلوم

منتدى إقرأ الثقافي

منتدى ثقافي للكتب باللغات الكوردية, العربية, الفارسية
 
الرئيسيةالبوابةالمنشوراتس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 السكرتير السابع و الأخير " نشوء و انهيار الامبراطورية الشيوعية - ميشيل هيلر

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ابو علي الكردي
المدير
avatar

عدد المساهمات : 6244
السٌّمعَة : 7
تاريخ التسجيل : 01/09/2013
العمر : 57
الموقع : أربيل

مُساهمةموضوع: السكرتير السابع و الأخير " نشوء و انهيار الامبراطورية الشيوعية - ميشيل هيلر    الأحد فبراير 21, 2016 9:02 am




السكرتير السابع و الأخير
غورباتشوف من العظمة إلى البؤس
نشوء و إنهيار الإمبراطورية الشيوعية
تأليف : مبشال هيلر
ترجمة : د. نظير جاهل & د. حسن الضيقة
الناشر : شركة المطبوعات للتوزيع و النشر
الطبعة : الرابعة 1417 - 1996

يُعدُّ كتاب "السكرتير السابع والأخير" للمؤرخ والمؤلف ميشيل هيلر الذي صدر عن شركة المطبوعات للتوزيع والنشر بيروت لبنان رواية مذهلة للصراع الدموي في سبيل السلطة، وصراعاً محفوراً وموشوماً داخل الخلية الوراثية للنظام. فمن خلال تسلسل الفصول ندخل إلى قلب الحزب والمخابرات والجيش والمافيا ونرى كيف يمثلون الكبار. كتب الناشر في استهلاله للكتاب: "ينطلق هذا الكتاب من نظرة جديدة إلى ما يحدث اليوم من تغييرات كبرى في الاتحاد السوفييتي.. فبعكس من كتب في هذا الموضوع، يرى ميشال هيلر ان الخط الذي يتبعه غورباتشيوف لا يشذ من حيث منطلقاته العامة عن الأصول الشيوعية، بما هي سياسة سلطوية عملية، بدأت تترسخ مع لينين إثر انقلاب أكتوبر عام 1917م.. وهو يدلل على مقولته هذه بأسلوب بديع يجمع بشكل رائع بين السيرة والتحليل التاريخي، متخطياً التسلسل الحدثي حيناً، مكثفاً الزمان أحياناً، متنقلاً في الفترة نفسها بين عهود الحكم السوفييتي، دامجاً بين صور الزعماء السوفييت المتعاقبين، حتى ليظهر غورباتشيوف بشارب ستالين، ويتكلم بالدفق الخطابي الذي يتميز به لينين.. ويرينا الكتاب كيف أطلق غورباتشيوف "عجلة" البريسترويكا والغلاسنوست لتحديث الحزب/ الجهاز، وكيف خرجت هذه العجلة عن السكة.. فكان السقوط العظيم للفكرة/ الايديولوجيا.. الرجل".جهاز في خدمة السياسة* مع وصول غورباتشوف الى رئاسة الحزب برزت الحاجة الى جهاز مطيع لشخص الأمين العام كاحتياط في مواجهة الجهاز الا ان ذلك ينطوي على بعض الصعوبات.فاصطدام غورباتشوف كما اصطدم سائر الأمناء العامين من قبله، بمقاومة الجهاز، طبعا ليس الجهاز بأكمله، اذ بدونه لن يكون للحزب (والدولة السوفياتية) اي وجود، بل الكوادر القيادية التابعة لسلفه، الذين يعلمون انهم خسروا الرهان، وان "قوى حية" تنتظر الحلول مكانهم.يذكر غروباتشوف في تقريره حول سياسة الكوادر هذه الكلمات للينين: "جهاز في خدمة السياسة.. وليس سياسة في خدمة الجهاز". ان الامين العام الجديد بحاجة "لجسم قيادة" جديد، وبواسطته يستطيع تحويل الحزب، وبالتالي تأهيله للقيادة من جديد.في ضوء ما تقدم، فان استنتاجا سياسيا يفرض نفسه: ان "تغيير الظروف الراهنة" يفترض في المقام الاول تغيير جسم الكوادر. اذ هنا تكمن، في نظر الامين العام، علة الازمة الاولى التي تعني ان "القمة لم تعد قادرة..." الا ان التحليل التاريخي لأزمة "القمة" يتيح الوصول الى استنتاج مغاير.فالنظام التوتاليتاري هو صينعة الثائرين الذين يعتنقون مشاريع ذات طابع طوباوي، انها طوبي يجهلون طبيعتها، في الوقت الذي تسودهم القناعة بمعرفتها. فالنظام الذي عملوا على وضعه موضع التنفيذ، استهدف بناء الانسان الجديد. وقد ترسخت القناعة لديهم بان هذا الانسان هو ما يحتاج اليه النظام التوليتاري. ولقد نجحوا في بلوغ هذا الهدف الى حد بعيد. تكمن معضلة التوتاليتارية اذا، في ان الافراد الذين صنعوها، وفي طليعتهم "الكوادر" و"القمة" قد فقدوا الدينامية والحماس اللذين وسما البناة الاوائل، وبالتالي لم يعد باستطاعتهم تأمين شروط استمرار حياة النظام الذي احتضنهم. فالآلية التكوينية للتوتاليتارية، تحرك لدى الانسان، قوى هي في اساس الظواهر التي يرى فيها غورباتشوف "تآكل المجتمع".يعتبر بطل ألكسندر بيك في روايته: "التصنع الجديد، والمكتوبة في الستينات، والمنشورة في الاتحاد السوفياتي في عصر "الفلاسنوست"، النموذج المثالي لداعية التوتاليتارية. فالعملة التي يتداولها هي: "لا نقاش!" وقاعدته الذهبية: "نعطي أمراً ويكفي". فهو يعتبر نفسه جنديا عند ستالين. ووزير الصناعة الثقيلة، ينفذ بلا تذمر، وكجندي، كافة اوامر القائد: "ان سلوك ستالين بالنسبة له، يعتبر نوعا من القانون الاعلى القاطع"، و"فوق كل انضباط، هناك الاخلاص لستالين، ولأي من كلماته، وتوجيهاته".ان بطل بيك "قد دخل النظام من الخارج" (بتعبير آخر، تلقى تربية ثورية)، ويعلق ج. بوبوف بانه "طالما ان النظام عرف كيف يحافظ على هذه الكوادر (مع ما يحملون من قواعد اخلاقية)، فان ذلك سمح له بالعمل". ان اخلاقية "دعاة التوتاليتارية" حفظت نوعا آخر من الاخلاقية تتمثل "بالديانة القديمة"، وانبنت على الايمان بالعقيدة الجديدة. وباسم هذه العقيدة، فان "الدعاة" لا يجاملون انفسهم ولا الآخرين، بل انهم ينفذون فقط اوامر حامل العقيدة: الزعيم. ولا يوازي قساوتهم الا اخلاصهم للزعيم. وهم لا يتورعون عن الضرب بلا هوادة حتى اكثر الناس قربا منهم، وذلك بهدف بناء العالم الجديد، وتحقيق العقيدة التي يؤمنون بها من اجل الاجيال القادمة.ان ستالين وقبل ان يقدم على تصفية الدعاة، باعتبار ان النظام الذي بنوه لم يعد بحاجة الى ايمانهم، سعى الى ايجاد البدائل. ولكن البحث الآن لا يتم عن اصحاب العقيدة، بل عن المنفذين. فالدعاة تساورهم الشكوك عندما تصطدم المعايير "الاخلاقية القديمة" مع الاوامر المعطاة. هذه الشكوك يتجاوزها الاتباع بكبرياء. فالدعاة يتصفون بالزهد والتعصب. في حين ان من حل مكانهم عرف كيف يتمتع جيدا بامتيازاته. يعلن نيكيتا خروتشوف بدء مرحلة جديدة من التوتاليتارية، مستخدما اللغة التصويرية التي اشتهر بها فيقول: "إن افكار ماركس جيدة، ولكن اذا دهنت بالسمن تصبح افضل" هنا يتصدى خروتشوف لمسألة تطوير مستوى حياة الشعب، غير ان "القمة" كانت مشغولة على الدوام بترتيب اوضاعها قبل وقت طويل من التفكير بترتيب اوضاع الشعب. لقد ترك الدعاة الشعب يموت من الجوع، مستغنين هم انفسهم عن الدهن. في حين وعد الاتباع الشعب بالدهن، وهم متخمون. ان الاعتراف بضرورة مسح العقيدة بشيء من الدهن، او على الاقل، تمني ذلك، كا مؤشرا لدخول التوتاليتارية في مرحلة جديدة. لقد تم تشريع حالة الالتباس، كنتيجة لا مفر منها لاصطدام الواقع بالعقيدة لان الواقع يستمر داخل الالتباس، كنتيجة لا مفر منها لاصطدام الواقع بالعقيدة لان الواقع يستمر داخل جنبات الطوبي المتجسدة . يكتب احد الفلاسفة السوفيات قائلا: "يتعايش في وعينا عالمان، عالم الوقائع اليومية وما يفرضه من توجهات عملية، وعالم موهومات الرفاهية وماتطرحه من آمال بحياة اكثر كرامة في المستقبل... ان تداخل هذين العالمين يؤدي الى تقوية التفكير المزدوج.لقد تم كشف ظاهرة "التفكير المزدوج" على يد بعض المفكرين الثاقبي النظرة، ففي عام 1920، اشار إ. زيماتين الى ظاهرة "اللغة المزدوجة". كما اعيد تحليل الظاهرة لاحقاً من قبل اورويل ومتتبعي سير الشيوعية الاكثر جرأة واستقلالية. اما اليوم، فان الاعتراف الصريح بهذا "التفكير المزدوج"، بما هو جزء لا يتجزأ من "الفكر الدوغمائي"، او بتعبير آخر من الايديولوجية السوفياتية، يعتبر علامة هامة تدل على ازمة "القمة" وان جود وعي نهاري وليلي يمنع امكانية اشتغال التوتاليتارية وفق صورتها الصافية: أمر/ تنفيذ. وقد كتب أ. بيك، ان في وعي بطله تضطرم عدة "صدمات": دافعان يتصارعان داخل عقله، فمن جهة هناك أمر الزعيم، وبالمقابل هناك سلطة "القاعدة الأخلاقية". أما في وعي خلفاء "جنود ستالين"، فان التنافر، وفق تعبير خروتشوف، يقع بين العقيدة والدهن. فالمصالح الشخصية تلعب دورا متعاظماً في سلوك ممثلي "القمة".يتمتع تعبير "الاغتراب" اليوم، وهو الصيغة المشهورة لماركس، بشعبية متزايدة. فالاعلاميون يتكلمون عن الماضي باعتباره الزمن الذي كان فيه الفلاحون يعيشون حالة "الاغتراب" تجاه الارض والعمال، والانتاج. دون ان ينسوا حالة "الاغتراب" التي يعيشها جهاز الحزب تجاه جمهور الاعضاء. وترتفع عدة اصوات، في معرض الحديث عن ازمة "القمة"، من اجل اعادة طرح السؤال حول ضرورة ال "نومانكلاتورا": هل هي ضرورية في ظل البرويسترويكا"؟ يجيب ج. ك. كريوتشكوف مساعد مسؤول شعبة تنظيم العمل في الحزب داخل اللجنة المركزية قائلا: "إن المفهوم السياسي للنومانكلاتورا يعني ان اعضاء الحزب يجب ان يحتفظوا ضمن حقل رؤيتهم ببعض الوظائف الاساسية في المجتمع. والحقيقة، هي ان الحزب يجب ان لا يتخلى، بل لا يستطيع ان يتخلى عن مسؤوليته في توجيه هذه العملية. ثم هل يوجد في عالم التنظيمات السياسية من يستبعد من ترسانته، سياسة الكوادر، بما هي رافعة تسمع بتطبيق الخط السياسي الذي تم اختياره".والنتيجة واضحة. فالكوادر هم بمثابة وصفة للخروج من الازمة. غير ان موت بريجنيف وضع حدا لذلك. فخلفاؤه ورثوا نظاما مريضا، حيث يصدر دماغ الجسم اوامر معينة، تعمل العضلات على تنفيذها وفقا لمزاجها واهوائها. لقد شرع غورباتشوف بال "بريسترويكا"، وثورة الكوادر، مستهدفا تبديل سلسلة الاتصال التي تنقل بأمانة الاوامر الصادرة عن "الرأس" او تشوهها الصعوبة الكبرى التي واجهها في "ثورته" متأتية من افتقاره "للوازم" ما خلا بديلا واحدا، ذلك من اجل استبدال الكوادر القديمة: فالكوادر الجديدة تم انتاجها من "لوازم القاعة التوتاليتارية" عينها. وان دراسة التغيرات الحاصلة في المناصب الوزارية تؤكد ذلك. ففي اقل من ثلاث سنوات، تم استبدال ستين مسؤولا وزاريا واداريا، اي ما نسبته 70% من هؤلاء. ولقد امضى كل منهم ما متوسطه ثمانية عشر عاما في وظائف من هذه الدرجة. لقد رحلوا الآن، ولكن من حل مكانهم؟ ان نسبة 50% من الخلفاء هم من مساعدي الوزراء السابقين، فيما كان 25% من الوزراء المعنيين يشغلون مناصب قيادية في اجهزة الحزب. وهكذا نجد الجهاز المركزي وفي هذه الحالة الخاصة، الجهاز الاقتصادي، كذلك الأمر بالنسبة للجهاز الرئيسي، اي الحزب يعيد انتاج نفسه.تعتبر ازمة "القمة" عن ازمة نظام السلطة الذي بدأ فجأة غير قادر على تولي مسؤوليات يعتبرها في نطاق اختصاصه ويرى احد علماء السياسة في "الصعوبات" الراهنة، برهانا على ان "مؤسسي الماركسية قد اولوا القليل من الاهتمام للمشاكل المترتبة على تكون آليات السلطة السياسية في المجتمع الاشتراكي بعد الثورة". ويكتب احد المؤرخين قائلا: "ان مسألة الوسيلة الديمقراطية والعملية لبناء السلطة ما زالت مطروحة على جدول اعمال الاشتراكية. يؤكد احد قياديي الحزب بان تقوية "الدور الطليعي الذي ينهض به الحزب الشيوعي السوفياتي" يضمن "اعادة تجديد المجتمع". ولكن عملية التقوية هذه لا يمكن تحقيقها الا عن طريق تقوية سلطة رئيس الحزب. بهذه الوسيلة يتم السعي لتجاوز ازمة "القمة"، اننا امام طرق جديدة تستخدم من اجل تشغيل آلة قديمة.اولاً بأول، وكمحصلة "للبريسترويكا"، فان الازمة تتجه للتفاقم في شتى الميادين، وتغدو التشققات في وحدة الحزب اكثر بروزا. لذا لا يستطيع الجهاز الا ان يظهر امتعاضة من الاصلاحات، التي لا ينتج عنها الا المزيد من الفوضى وخسارة سلطة الحزب. ولم تؤد زيادة رواتب مستخدمي الجهاز في خريف 1988، الى تحسن اداء العمل "التربوي للحزب" وبالتالي لم تضف شيئا الى هيبة الحزب الشيوعي السوفياتي. وكان من المنتظر ان تشحذ، انتخابات عام 1988الخاصة بمجلس السوفيات الأعلى، حماس الجماهير وتفسح في المجال امام الكوادر الجديدة، بما يسمح ب "تطهير" ديمقراطي للجهاز القديم. الا ان الذي حصل هو ان سلطة الحزب قد منيت بضربة اضافية. ان انهيار الاحزاب الشيوعية في بلدان "الكتلة الشرقية" سوف يؤدي من جهة الى اطلاق ردات فعل دفاعية عند الجهاز، وبالمقابل فان التفكير سينصب على مصير الحزب في الاتحاد السوفياتي. ففي مؤتمر نواب الشعب، دعا اندرية زخاروف الى ضرورة الغاء المادة رقم ستة من الدستور، التي تنص على الدور القيادي للحزب في البلاد، وقد اثارت هذه الدعوة الاستنكار ولكنها ما لبثت ان اضحت شعارا شعبيا دفع غورباتشوف الى التخلي نهائيا عن الصيغة القديمة. طبعا، ان الغاء هذه المادة، لا يغير شيئا بحد ذاته. وقد اشار ميخائيل غورباتشوف الى ان دستوري الاتحاد السوفياتي (1924، و1936)، لم يشرا الى الحزب. غير ان دوره، حسب تعبيرات لينين، كان مضمرا، وان التخلي من قبل الحزب الشيوعي عن احتكاره لسلطة البلاد، سمح بانعاش النقاش السياسي وافساح المجال امام ظهور العديد من الاحزاب التي رغم صغرها غالبا ما تحدث ضجيجا، من الاتحاد الفوضوي النقابي وصولا الى الحزب الملكي الدستوري الارثوذكسي. كذلك كان بالامكان رؤية تظاهرات الشيوعيين الاصلاحيين، وان الامور قد وصلت بالبعض منهم الى ترك الحزب غير ان المؤتمر الثامن والعشرين رفض اية صيغة تمس طبيعة الحزب وعلى الخصوص المبدأ اللينيني المتعلق بالمركزية الديمقراطية، واعاد انتخاب غورباتشوف في منصب الامين العام.القاعدة لم تعد تريدإن التاريخ السوفياتي لا تنقصه الشواهد التي تسمح بالتأكد من صحة الملاحظة التي أبداها لينين: فبداية تظهر أزمة "القمة"، ثم يليها سخط "القاعدة". وبالامكان الوصول الى النتيجة عينها بالرجوع إلى مادة تاريخية مختلفة. فقد اظهر تاريخ المعسكر الاشتراكي في مناسبات عدة وجود هذه الظاهرة ضمن حيز الوقت، القصير نسبيا. فكل من "ازمات القيادة"، التي كانت مرتبطة حتى الآن بتغيير الفريق الحاكم في الكرملين، ترافقت مع السماح بإثارة النواقص. هذا الوضع أدى في مرات عديدة إلى تفجير موجات من السخط اتخذت اشكالا مختلفة: بدءا من انتفاضات الأرياف مع موت ستالين وصولا الى اضراب نوفوتشير كاسك، الذي قمع بقسوة من قبل السلطات عام 1962؛ وبدءا من الاضطرابات العمالية عام 1953في برلين الشرقية وصولا الى ربيع براغ عام 1968و"تضامن" بولونيا عام 1980.ان نقمة وسخط "القاعدة" في الاتحاد السوفياتي، نادرا ما اتخذا شكل احتجاجات مفتوحة. فقوة جهاز القمع البوليسي وذكرى الرعب الستاليني تفرض النظر بإمعان واحتراس. ففي مقابلة اجرتها ليدي استور مع ستالين ذات يوم، سألته وبصراحه الاميركيين المعهودة: "متى تتوقفون عن قتل الناس؟". أجاب ستالين وبشكل اعتيادي: "عندما لا يكون هناك ضرورة لذلك". يصعب الجزم فيما إذا كان الأمين العام يدرك انه بقتله لملايين المواطنين السوفيات، يترك للورثة سلاحا غريبا، هو الخوف الذي سيضمن لعشرات السنين استقرار النظام.لقد طور الاشتراكيون في القرن التاسع عشر اسلوب "الاضراب العام"، كسلاح فعال في مواجهة الرأسمالية: فتشابك أيدي العمال يجبر الرأسماليين على تقديم التنازلات. ان حلم "الاضراب العام" تحقق لأول مرة بشكل كامل في الدولة الاشتراكية الأولى في العالم. "فالشعب فقد إيمانه، الشعب توقف عن العمل"، هذا ما عبر عنه أحد مندوبي المؤتمر التاسع عشر للحزب، ف. ستاور دوبتسيف في معرض تشخيصه للوضع. الشعب توقف عن العمل! وهذا ما يجرؤ اشتراكيو القرن التاسع عشر على الحلم به. تذكر مقالات عديدة في الصحف والمجلات أمثلة مذهلة ولكنها لا تثير الدهشة باعتبارها أمرا عاديا تظهر ان الجميع، في كل مكان، يعملون بقلة اكتراث شديدة. فانفجار تشيرنوبيل، ومنازل سبيتال التي بنيت على الرمال، وليس على الاسمنت، والتي انهارت كقصور من الورق ليست إلا شواهد معبرة.يعلن أحد مندوبي مؤتمر الحزب ان "الشعب توقف عن العمل". ولكن من هو هذا الشعب؟ ممن تتكون هذه "القاعدة" التي "لم تعد تريد" وتعبر عن موقفها هذا برفضها للعمل؟ تعرض تاتيانا زاسلافسكايا "استراتيجية تسيير اجتماعي للبريسترويكا"، ترتكز إلى تحليل دقيق لبنية المجتمع السوفياتي. وتميز بين احدى عشرة فئة اجتماعية. تمثل "القوى الكبرى للبرويستروكيا": 1 الشريحة "المتنورة" أخذا بالاعتبار التأهيل المهني وعلى المستوى الاجتماعي والسياسي العاملة؛ 2 الشريحة القاعدية، الأكثر عددا، من العمال المتوسطي الكفاءة؛ 3 شريحة العمال المفسدين بمداخيل يحصلون عليها منذ مدة طويلة ولا يستحقونها ويقدمون للمجتمع أقل مما يأخذون منه؛ 4 فلاحو الكولخوزات؛ 5 الانتلجنسيا العلمية والتقنية "اختصاصيو الاقتصاد، باحثو علوم وتقنيات"؛ 6 المسؤولون الاقتصاديون عن انتاج السلع المادية؛ 7 العمال المسؤولون عن التجارة والخدمات المخصصة للشعب؛ 8 صغار المقاولين الاشتراكيين؛ 9 الانتلجنسيا الاجتماعية والانسانية "مربين، أطباء، صحافيين، كتاب، فنانين، باحثو علوم اجتماعية وانسانية"؛ 10 العمال المسؤولون عن جهاز الإدارة السياسي، بتعبير آخر الاجهزة الاجتماعية والدولة؛ 11 القادة السياسيون للمجتمع. وتضيف عالمة الاجتماع الى هذه اللائحة، محاولة عدم نسيان أي قوة، "فئات الجريمة المنظمة، والتي تضم موظفين فاسدين في جهاز الإدارة، اصحاب اعمال في اقتصاد الظل، عمال مسؤولون عن التجارة والخدمات، وفئة من العمال والمستخدمين الذين خرجوا عن الطريق المستقيم.باستثناء "مجموعات الجريمة المنظمة"، أو المافيا كما درجت العادة على تسميتهم في الاتحاد السوفياتي، فإن كافة الفئات الاجتماعية التي ذكرت تعتبر ساخطة، وغالبيتهم الكبيرة تعمل بشكل سيء. ارتكز التفاؤل التاريخي الذي اتسمت به الايديولوجية السوفياتية ولسنوات خلت إلى الشعار اللينيني المشهور: "ان الانتاجية، هي في التحليل الأخير، العامل الأكثر أهمية، بل اساس انتصار النظام الاجتماعي... وبالامكان الانتصار على الرأسمالية كمحصلة، لأن الاشتراكية تخلق انتاجية جديدة أكثر ارتفاعا...." يكتب أحد مفكري الاستراتيجية الاقتصادية للبريسترويكا، في صيف 1986، ابيل أغنبيغيان قائلا: "ان مستوى الانتاجية عندنا، هو أقل من نصف مثيله في الولايات المتحدة". ووفقا لبعض المصادر الأكثر جدة: فإن الانتاجية السوفياتية تمثل قرابة ثلث المردودية الاميركية، وفي المجال الزراعي لا تتجاوز نسبة 15%".ان الانتاجية متدنية الى حد كبير. كذلك الامر بالنسبة لنوعية المنتوجات الرديئة الى حد ان السوفيات رفعوا هذا الشعار الغريب: "النضال من أجل النوعية". "ما قيمة السلعة دون نوعية جيدة؟".يعيش الشعب السوفياتي بشكل سيء. هذا التأكيد، سمح، المختصون الغربيون حديثا به لأنفسهم دون الخوف من اتهامهم "بمعاداة السوفيات"، و"بمعاداة التقدمية"، وتخريب "التعايش". فقد أدى السماح بذكر بعض الأرقام الحقيقية عن وضع المواطنين السوفيات، بعد اعلان "الغلاسنوست"، بدفع عدد كبير من كتابات الخبراء إلى هامش المكتبات. على سبيل المثال، كتب في عام 1980سوران بيالير، وهو من أبرز المختصين الأميركيين بالاتحاد السوفياتي، مقيما عصر بريجنيف قائلا: "انني أرى في سنوات الستينات والسبعينات مرحلة مميزة في التاريخ السوفياتي. ومن المرجح ان يعتبرها المؤرخون في المستقبل من افضل المراحل التي مر بها البلد وأكثرها اشراقا. إذ انها المرة الأولى التي استطاع فيها هذا المجتمع ان ينتج المدافع والزبدة، ويرفع مستوى المعيشة وان بشكل محدودةويبلغ مرتبة التوازن العسكري مع الغرب. وإذا كان صحيحا ان هذا البلد يواجه جملة من المشاكل، غير ان أيا منها لم يؤد إلى توليد أزمة مع النظام. بالاجمال، انها مرحلة مميزة في تاريخه، وغير قصيرة. فقد استمر بريجنيف في مركزه لفترة اطول من تلك التي أمضاها روزفلت، انها عصر بكامله".وفي عام 1928، طلب بطل رواية "المنتحر" نيكولاي إردمان من السلطة السوفياتية السماح له بالقول: "اننا نعيش بصعوبة". ويضيف مؤكدا بأن "الحديث عن حياتنا الصعبة يجعل سبل العيش أكثر سهولة" وان هذا الالتماس لم يسمع إلا بعد ستين سنة. فإمكانية التحدث عن الصعوبات فتحت الباب أمام الانتقادات: ففي أعمدة الجرائد والمجلات، والراديو، والتلفزيون، ويطرح فيض من الوقائع، والأرقام، والشواهد حول الحياة في الاتحاد السوفياتي. وكل منها يرمي إلى تعرية كافة التأكيدات الرسمية السابقة، فكل كلمة سبق ان تفوه بها سوفارين عام 1938، وجدت ما يؤكدها بعد نصف قرن: ان الخطط الخمسية، والاحصاءات، والحسابات، الختامية، ما هي إلا أكاذيب. كذلك الارقام والبيانات، والسلف، والاكتتابات، حتى الصور هي أكاذيب. اما بالنسبة للشهود والشهادات فإننا أمام شهود غير صادقين يدلون بشهادات زائفة...".لا يعتبر مستوى المعيشة في الاتحاد السوفياتي من أدنى المستويات في أوروبا وحدها، بل في العالم كله. فعلى قاعدة حجم المواد الغذائية والخدمات الموضوعة بتصرف المستهلك، فإن بلد "الاشتراكية الناضجة يحتل المرتبة الخمسين أو الستين (وذلك وفقا للعناصر المعتمدة كنقاط مقارنة). ويبدو ان قاعدة الاقتصاد السياسي الاشتراكي المعتمدة في كافة بلدان المعسكر الاشتراكي قد صيغت في نفس الوقت: يتظاهرون بالدفع لنا ونحن نعطي الايحاء بأننا نعمل.. ان صوابية الشق الأول يؤكدها احد الاقتصاديين السوفيات، عندما يشير إلى حصة حجم الأجور من الناتج الوطني في البلدية المتطورة. ففي الولايات المتحدة، بلغت ما نسبته 65% عام 1970و64% عام 1980.اما في روسيا فقد بلغت قرابة 54.8% عام 1098و 58.1% عام 1928السنة الأخيرة من سياسة ال NEP ، ثم تراجعت عام 1985لتقارب ما نسبته 36.6%.وبإمكاننا ان نفهم شكل افضل ما يمثله متوسط الأجر السوفياتي، إذا عرفنا ان عتبة الفقر في الثمانينات أو "الرفاه الضعيف" وفق اللغة السوفياتية، كان بحدود 70 80روبلا حسب الخطة.ويظهر العمال المسؤولون عن التجارة والتموين الاجتماعي والخدمات عدائية صريحة ضد البرويسترويكا، فهذه الفئة هي التي تقود في الممارسة سياسية الندرة وتستعيد بشكل واسع الامكانات التي يوفرها البؤس المراقب من يراقبونه، اما فئة "صغار اصحاب الاعمال الاشتراكيون" فهم ثمرة "البريسترويكا" التي أجازت "النشاط الفردي والعائلي"، أو التعاوني. لذا نجد فيهم حلفاء "البرويسترويكا". كما تؤكد ت. زاسلافسكايا. مع تمييزها داخل هذه الفئة "جناح يطمح إلى الفن السريع، والذي غالبا ما يكون على حساب القانون والاخلاق".بالانتقال إلى دراسة موقف الانتلجنسيا الانسانوية والاجتماعية "مربين، أطباء، عاملين في حقل الفن والثقافة، بحاثة في العلوم الانسانية والاجتماعية" نجد أنفسنا أمام فئة من المفترض ان تشكل دعامة قوية للبرويسترويكا". إلا ان ت. زاسلافسكايا تستنتج ان لهذه الفئة عدة نقاط ارتباط مع "الزمن السابق للاصلاح". فالشيء الذي لم تتم الالتفاتة إليه، هو ان عمل الاطباء والمدرسين كان من نتيجة في "مرحلة الركود"، بروز ظاهرة الفساد: فالخدمات المقدمة لا تتم دون مقابل كما لو انها عمل خاص. الأمر الذي سهل نشوء "نسق منظم للابتزاز، يقضي بفرض رسوم للاستشفاء، والامتحانات، والعمليات الجراحية، الخ..." وغدت الطبابة السوفياتية المجانية بشكل علني وان كان غير رسمي مدفوعة الثمن. هذا "النسق المنظم للابتزاز" نجده في المدرسة أيضا. بالمحصلة، لا تنسى هذه الانتلجنسيا انها مسؤولة جزئيا عما آلت إليه "الوضعية الراهنة للمجتمع"، كما ان قسما منها لا يريد ان يغير شيئا. اما بالنسبة ل "البحاثة في علم الاجتماع واولئك الذين يعملون في المجالات الايديولوجية، فإنهم مشدودين إلى تصرفات وكتابات سابقة. وهذا ما يبني، كما ترى ت. زاسلافسكايا "أحد العوامل الاساسية المفسرة لنزعة المحافظة التي تبديها شريحة هامة من الانتلجنسيا الانسانوية والعلمية".تحيا فئة العمال المسؤولين من الإدارة والجهاز، أي من جرت العادة على تسميتهم بال (نومانكلاتورا)، "بطريقة أفضل من غالبية السكان"، وتتمتع ب "امتيازات مادية، واجتماعية وثقافية هامة". فضلا عن ذلك، "فإن رجال الجهاز كانوا إبان مرحلة الركود يستحوذون على سلطة سياسية كبيرة". أخيراً، فإن العمال المسؤولين عن الجهاز هم بلا شك "المدافعون الاشداء عن الافكار التي كانت مسيطرة في مرحلة الجمود". فالجهاز لا يستطيع إلا ان يعارض ال "بريسترويكا"، التي تهدده بانتزاع جزء من امتيازاته. ناهيك عن طمأنينته، هذا دون الكلام عن خطر رجال المعلم الجديد الساعين إلى احتلال مراكز شغلها آخرون لمدة طويلة.
المقدمة من جريدة الرياض

تحميل الكتاب
=======

رابط مباشر*****رابط بديل
4SHARED******ARCHIVE

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://iqra.ahlamontada.com
محمد 73



عدد المساهمات : 160
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 14/09/2013

مُساهمةموضوع: رد: السكرتير السابع و الأخير " نشوء و انهيار الامبراطورية الشيوعية - ميشيل هيلر    الثلاثاء فبراير 23, 2016 4:46 pm

جزاك الله كل الخير
سلمت الايادي الكريمة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
ابو علي الكردي
المدير
avatar

عدد المساهمات : 6244
السٌّمعَة : 7
تاريخ التسجيل : 01/09/2013
العمر : 57
الموقع : أربيل

مُساهمةموضوع: رد: السكرتير السابع و الأخير " نشوء و انهيار الامبراطورية الشيوعية - ميشيل هيلر    الثلاثاء فبراير 23, 2016 6:56 pm

أجمعین إن شاءالله
@محمد 73 كتب:
جزاك الله كل الخير
سلمت الايادي الكريمة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://iqra.ahlamontada.com
كريم
عضو متميز
عضو متميز


عدد المساهمات : 782
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 09/09/2013

مُساهمةموضوع: رد: السكرتير السابع و الأخير " نشوء و انهيار الامبراطورية الشيوعية - ميشيل هيلر    الإثنين فبراير 29, 2016 11:05 am

مشكوريـــــن
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
السكرتير السابع و الأخير " نشوء و انهيار الامبراطورية الشيوعية - ميشيل هيلر
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى إقرأ الثقافي :: القسم العربي :: السياسة ,القانون ,الآقتصاد , الآعلام-
انتقل الى: